تم التحدیث فی: 18 May 2020 - 07:36
"لا أحد یستطیع أن یشعر بمأساة الآخرین إلا إذا عاشها بتفاصیلها، فکیف لمن یقرأ الأخبار ویسمع من بعید عن المجازر التی یمارسها ما یسمى بتنظیم الدولة الإسلامیة فی العراق والشام "داعش" أن یدرک حجم مأساة ضحایا هذا التنظیم الدموی؟".
رمز الخبر: ۶۱۲۲۲
تأريخ النشر: ۱۴ محرم ۱۴۳۶ - ۲۲:۰۵ - 06November 2014

الأیزیدیة لیلى سیدو تروی معجزة نجاتها من براثن

غادة الشیخ

 "لا أحد یستطیع أن یشعر بمأساة الآخرین إلا إذا عاشها بتفاصیلها، فکیف لمن یقرأ الأخبار ویسمع من بعید عن المجازر التی یمارسها ما یسمى بتنظیم الدولة الإسلامیة فی العراق والشام "داعش" أن یدرک حجم مأساة ضحایا هذا التنظیم الدموی؟".
هکذا تبدأ العراقیة لیلى سیدو (26 عاما) بروایة قصة الرعب التی عاشتها على أیدی "داعش" طوال أیام.
و"سیدو" صحفیة من مدینة سنجار الواقعة غربی الموصل فی الصحراء العراقیة، وهی إحدى الناجیات من حصار دام تسعة أیام متواصلة فی أحد الجبال الموجودة فی القرى التی تحیط بالمدینة إثر سقوطها بید "داعش".
وتروی سیدو الموجودة حالیا فی عمّان للمشارکة فی ورشة عمل إعلامیة ینظمها مرکز حمایة وحریة الصحفیین فی فندق الریجنسی لـ"الغد" تفاصیل تجربتها القاسیة، والتی یبدو فی طیات کلماتها أنها تجربة لن تمحى من ذاکرتها، فی حصار شاهدت فی أیامه التسعة أبشع أنواع "الانتهاکات" التی تمس حقوق الإنسان.
وهی واحدة من ضحایا الأقلیات العراقیة التی عانت من "داعش"، بتهمة الانتماء إلى الطائفة الأیزیدیة، ولم تدرک أن هذا الانتماء سیکون سببا لتهدید حیاتها وحیاة طفلیها یوما ما.
وتبدأ سیدو بروایة تجربتها محاولة قدر المستطاع أن تبدو متماسکة، فتقول: "فی عصر الثانی من آب(أغسطس) کنت برفقة جارتی فی السوق، وهناک أخبرتنی عن إشاعات تفید بقرب دخول تنظیم "داعش" إلى سنجار"، غیر أن سیدو لم تأخذ تلک الإشاعة على محمل الجد، استنادا إلى ثقتها بالروایة الأمنیة الحکومیة وبالأحزاب فی مدینتها، والتی کانت تؤکد أن مدینة سنجار "آمنة من داعش".
ورغم إصرارها على تجاهل هذه الإشاعة، لکن جارتها السنیة نصحتها بأن تکون محتاطة، خصوصا وأنها أیزیدیة، ومن ضمن "المغضوب علیهم" الذین تبحث عنهم "داعش"، وهنا بدأت سیدو الشعور بالقلق، فاتصلت بزوجها الذی یعیش فی منطقة دهوک بالقرب من سنجار للتأکد من صحة المعلومة، لکن الأخیر نفاها بجملة بسیطة: "مشکلتک أنک تصدقین کل ما تسمعینه".
وفی عصر أحد الأیام، بدأت هذه الإشاعة تتحول الى "معلومة أقرب للدقة"، وفقا لسیدو، "نظرا لانتشارها بسرعة فی الحی الذی نقطنه، وتحسبا لأی مجازفة طلبت من جارتی أن أنام فی منزلها تلک اللیلة، وبقیت حتى ساعة متأخرة من اللیل أتابع الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعی، والتی کانت جمیعها تطمئن الأیزیدیین بأن "داعش" لن تقترب من سنجار، وأنها منطقة آمنة وکل ما یشاع بعید عن الصحة".
ولم تمض غیر ساعات قلیلة حتى أدرکت سیدو أن ما قرأته من روایات إعلامیة کانت بعیدة عن الصحة، ففی فجر الیوم الثانی استیقظت على صوت جارتها وهی تلح علیها بأن تجهز نفسها ولوازم طفلیها استعدادا للهروب من منزلها.
وما جعلها تتأکد من صحة ذلک، استقبالها اتصالات تفید بأن منطقة "جرزریک" التی تبعد عن سنجار 15 دقیقة تشهد اشتباکات عنیفة مع "داعش"، وتقول: "لم یکن لدینا سوى خیارین إما الهروب أو الاستسلام للموت، وفی السابق تعلمنا أن النظام عندما یسقط یذهب هو وحکومته ویبقى الناس فی مکانهم، لکن هذه المرة کان الأمر مختلفا تماما".
وفی الساعة الثامنة صباحا، جاء شقیق زوجها وأخذها هی وطفلیها خارج سنجار التی باتت على مشارف الاشتباکات مع "داعش"، وفی الطریق شاهدت الناس وهم یهربون من الرصاص الحی، وصولا الى منطقة مغلقة بحواجز رملیة أمنیة، ما اضطرهم الى استکمال الطریق مشیا على الأقدام إلى حین وصولهم قریة "سولاخ".
ثم اتجهت سیدو الى منزل یملکه ذوو زوجها، وتضیف: "بدأنا نسمع أن سنجار سیطر علیها "داعش"، عشر دقائق فقط هی فترة خروجی من منزلی أنقذتنی من القتل أنا وأولادی بأیدی داعش".
وتضیف: "وفی أثناء وجودی فی منزل أهل زوجی فی سولاخ ذاک الصباح نظرت من النافذة ورأیت رجالا یرتدون لباسا أسود بجانب مزار السیدة زینب للشیعة وقاموا بتفجیره".
وهنا أدرکت سیدو وعائلة زوجها أن قوات "داعش" أصبحت قریبة جدا من قریة "سولاخ"، وتقول "هرعنا الى السیارات للهروب الی الجبل، وشاهدنا الناس وهم یهربون بالاتجاه نفسه، وکنا نجسد مشهد الهجرة الجماعیة، ولاحظت من خلال مشاهداتی ونحن فی الطریق، أن هناک مهجرین یرکضون بالملابس الداخلیة، فضلا عن أشخاص لم یکونوا یرتدون أحذیة، واستقررنا أسفل الجبل".
وهناک بدأت سیدو تستقبل اتصالات من صدیقات لها من غیر الأیزیدیات، ینصحنها بأن تنجو بنفسها، وتقول: "صدیقة مسلمة لی هاتفتنی واقترحت علی أن تأخذنی وأرتدی الحجاب وأدعی أننی مسلمة، فخفت أن یطلبوا هویتی، وهنا بدأت تنهار نفسیتی وأیقنت أن حیاتی وحیاة أهلی ومن معی فی خطر، وأننی مهددة بالانتهاء برصاصة واحدة من داعش فی أی لحظة".
"بدأنا ننصب الخیام للنساء فی أسفل الجبل"، تقول سیدو، وتضیف: "کان معنا تموین بسیط، لکن بقی سؤال کیفیة سقوط سنجار یلح فی ذهنی، دون أن أکون قادرة على استیعاب ما یحدث من تغییر جاء بسرعة البرق".
وتتابع سیدو: "سمعنا أن من یضع على سطح منزله قماشا أبیض فهو إشارة للاستسلام، واقترحت على أهل زوجی أن نقوم بذلک، وعدنا إلى قریة سولاخ ووضعنا القماش الأبیض أعلى السطح، ثم بدأ صوت إطلاق الرصاص یزید ویقترب بعد عودتنا، وورد اتصال إلى مختار القریة یعلمه بقرب قدوم داعش".
وتقول: "عدنا الى الجبل، وهنا دخلنا فی الیوم الثالث من الحصار"، وتصف سیدو صعوبة الحال هناک، سواء من حیث درجات الحرارة المرتفعة للغایة، والحالة النفسیة الأقرب الى الانهیار التی اجتاحت صفوف النازحین من الأیزیدیین فی الجبل، فضلا عن القلق من قرب شح المواد التموینیة.
"بتنا نسمع أخبارا عن قرب وصول داعش الى الجبل"، تقول سیدو، "ما جعل رجال الجبل من النازحین یصنعون حاجزا فی مقدمة الجبل من خلال اصطفاف سیاراتهم على شکل حواجز کبیرة حتى یحموا النساء والأطفال".
وتصف حالة التلاحم الإنسانی بین صفوف النازحین الذین کانوا یتشارکون فی الطعام والشراب وکل یؤازر الآخر، فتقول: "أذکر أنه فی الأیام الأولى من النزوح، شهدنا أول حالة ولادة فی الجبل، وکم استغربنا لکن بعد تکرار هذه الحالة خلال الأیام اللاحقة، لم نعد نستغرب، فنحن کنا شبه متأکدین من أن نزوحنا إلى الجبل سیطول، وأننا على موعد قریب مع إبادة جماعیة".
وتزید: "کنا ننتظر الموت.. هکذا کان حالنا، وفجر الیوم الثالث سمعنا صوت إطلاق رصاص قریب، وجاءت سیارات من "داعش" باتجاهنا، وبدأت المقاومة من الرجال الذین کانوا معنا، وبدأنا نصعد الى الجبل، نساء وأطفالا ومسنین، من خلال نفق ضیق، لکننا صعدنا مسافة بسیطة، إذ کان من الصعب تسلق الجبل".
وتضیف سیدو: "بدأت آثار التعب تظهر على أجسادنا ونحن هاربون الى أعلى الجبل، وفرغت کمیات المیاه، فاضطررنا للعودة الى الأسفل لإحضار المیاه، وکان الرجال یصعدون وینزلون، وکان یستغرق زمن إحضارها ساعة کاملة فی کل عملیة، وفی الیوم الخامس بدأ الوضع الصحی ینهار فی صفوف النازحین فی الجبل، أطفال یتوفون ومسنون کذلک، وفی الیوم السادس قررنا الذهاب الى مزار شرف الدین، فهناک کانت المقاومة قویة، وفیها قوات حمایة من حزب العمال الکردستانی، وذهبنا الى هناک".
وقبل الحدیث عن رحلة الذهاب الى مزار شرف الدین تعود سیدو بذاکرتها الى آخر مشاهد الجبل، قائلة: "شاهدت صنوفا من المعاناة لم أشاهدها طوال حیاتی: نساء ینجبن ویموت أطفالهن فور ولادتهم، وصرخات أطفال ومسنین یطلبون المساعدة، وشباب بعمر الورد یفترشون الأرض ولا أعرف إذا کانوا أمواتا أو فی غیبویة".
أما المشهد الأکثر تأثیرا فی ذاکرة سیدو فکان لامرأة مسنة اعتاد ابنها فی رحلة الصعود والنزول أیام النزوح إلى الجبل أن یحملها رغم معاناته جراء عملیة جراحیة کان أجراها قبل مدة وجیزة قبل النزوح، وتقول سیدو عن تلک القصة: "بدأت هذه المرأة تشعر بأنها تشکل خطرا على حیاة ابنها، وفی إحدى المرات التی کان یحملها طلبت منه أن یضعها أرضا بحجة أنها ترید أن تستریح قلیلا، وعندما وضعها قامت بإلقاء نفسها من أعلى الجبل".
وهنا بدأت سیدو تنهار وتدخل فی نوبة بکاء متواصل وهی تسرد تلک القصة، وتردد: "تخیلی الأم خدعت ابنها بموتها، وما زلت أسمع صوت بکاء ابنها حتى هذه اللحظة".
وفی مشهد آخر وفق سیدو، "وضعت امرأة طفلیها جانبا بعد أن ماتا عطشا وجوعا، فما کان منی إلا أن هیأت نفسی أنا أیضا لخسارة أطفالی".
وتضیف: "کنا نغمض أعیننا حتى نشرب المیاه السوداء، ورأینا الدود بأعیننا فی المیاه التی کنا نشربها، وابنی کان یتوسل إلی بأن تأتی طائرة لمساعدتنا.. رأیت معاناة لا توصف، وکل خطوة کنا نمشیها تحتاج قصة لشرحها، والله العظیم شاهدت أناسا یأکلون ورق الأشجار، وفی الیوم الثامن کان عندی أقل من ربع عبوة میاه لحلیب ولدی، وأذکر أننی منحت إحداهن الجزء الأکبر من المیاه لابنها الذی کان یشرف على الموت، وأبقیت قطرات لابنی الصغیر، فیما بقی ابنی الآخر دون میاه".
وتتابع: "فی مزار شرف الدین، فی الیوم الثامن، هناک شربنا میاها، وترکنا خلفنا أمواتا فی الجبل، وفی تلک المدینة منحونا طعاما لم أقم بتناوله، بل خبأته لأولادی تحسبا للأیام المقبلة".
وتضیف سیدو: "هناک سمعنا أن قوات حزب العمال الکردستانی فتحت نفقا یسمح للناس بالهروب إلى الحدود السوریة، لکن حتى الهروب الى هناک کان یحتمل الموت أیضا، غیر أننی وصلت إلى قناعة مفادها أننی لن أعود الى حیاتی الطبیعیة، ولن أرى زوجی، أما الحیاة فقد انتهت بالنسبة لی، ولکل الموجودین حولی".
وتقول سیدو: "فی الساعة الرابعة فجرا من لیلة الوصول إلى مزار شرف الدین، وردتنا أنباء عن قدوم مدرعات لـ"داعش" وفی نیتها القیام بإبادة جماعیة، وهنا قررنا القیام بهجرة جماعیة باتجاه النفق المؤدی الى الحدود السوریة، وجاءت سیارات حزب العمال وأقلت الأطفال والمسنین الذین کانوا بین الحیاة والموت".
وتتابع: "ذهبنا الى النفق مشیا لأکثر من ثمانی ساعات، وکنت أسمع صوت ابنی وهو یقول "ما عدت أتحمل"، بل حتى الملابس أصبحت ثقلا على البعض وهم یمشون، وبدأوا بخلعها ورمیها، وأذکر مشهدا لأب یجر ابنته الصغیرة التی لا تلبس حذاء وأقدامها تنزف من التراب والحصى".
تلتقط نفسا بصعوبة ثم تتابع: "وصلنا الحدود فی الیوم التاسع، وجاءت حافلات سوریة من حزب العمال وأقلتنا من الحدود باتجاه زاخو التی تتبع لإقلیم کردستان، حیث قوات البشمرکة، وهناک توزع النازحون على المدارس والمنازل لثلاثة أیام ثم انتقلنا الى المخیمات". وتضیف: "عندما جاء زوجی لم یعرفنی عندما رآنی، وبقی یسأل "وین لیلى"، وکان وضع النازحین الأیزیدیین أصعب من باقی النازحین، والآن أعیش فی سرداب مع عائلتی تقطن فیه أیضا خمس عائلات".
وفی نهایة الحوار، المفعم بالدموع والکبریاء، لم تتورع سیدو عن إطلاق نداء حار: "أنقذوا الأیزیدیین الموجودین الآن فی الجبل"، مؤکدة أن طائفتها لم تؤذ أحدا طوال تاریخها الضارب فی القدم.  

المصدر: الغد الأردنی

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: