تم التحدیث فی: 18 May 2020 - 07:36
مقال بقلم د. فیـصل المقداد نائب وزیر الخارجیّة السوریّة
عندما بدأتْ الحرب على سوریة فی شهر آذار من عام 2011
رمز الخبر: ۶۰۸۳۸
تأريخ النشر: ۲ محرم ۱۴۳۶ - ۲۲:۰۹ - 25October 2014

إمّـا مع الدولة السوریّة أو مـع «داعـش»

عندما بدأتْ الحرب على سوریة فی شهر آذار من عام 2011، فقد البعض، فی سوریة وخارجها، البوصلة وصدّقوا أنّ ما یجری هو ربیع عربی یتمدد هنا وهناک کی ینعم المواطن العربی فی تونس ومصر ولیبیا والیمن بالدیمقراطیّة والحریّة وحقوق الإنسان! آنذاک انجرتْ دول وقادة فی المنطقة وخارجها، خلف هذه الروایة التی أثبتت الأسابیع والأشهر والسنوات اللاحقة أنّها لم تکن سوى وهم وسراب. ومما زاد من أسباب الشک والخوف هو عدم وصول هذا الربیع إلى دول هی بحاجة حقیقیة إلى الدیمقراطیّة وحقوق الإنسان، خصوصاً فی السعودیّة؟


ما هذا الربیع الذی تبین للکل أنّ «إسرائیل» وأمیرکا هما من خطّطوا له، وأنّ البدیل الذی طرحوه للأوضاع التی تمر بها الأمّة لم یکن بدیلاً جیّداً، خصوصاً أنّ هذا البدیل کان الإخوان المسلمین والجماعات السلفیّة والتکفیریّة والإرهابیّة الأخرى على امتداد الساحة العربیّة، هؤلاء الذین تتخاطف سیوفهم الصدئة السعودیّة من جانب وقطر من جانب آخر وتسخّران إعلاماً رخیصاً فی الغرب وفی السعودیّة وقطر والإمارات لإعلان «بزوغ نظام عربی جدید»! وما هذا الربیع الذی لا تنتج انتخاباته «الدیمقراطیّة جدّاً جدّاً جدّاً» سوى الإخوان المسلمین والمتطرفین فی کل هذه الأقطار العربیّة! وما هذا الربیع الذی بارکته ید الرعایة الأمیرکیّة ورحّبتْ به العنایة «الإسرائیلیّة» وهلّلتْ له الأنظمة النافذة فی الخلیج.

لقد قام أعداء سوریة بضخ کل ما استطاعوا من أموال لشراء النفوس المریضة لقتل السوریین، کما قاموا بتسلیح کل من قبل من الفاسدین والمرتزقة بقتل أهله ومواطنیه. وعندما لم ینجحوا بذلک شجّعوا قتلة ومجرمی العالم للمجیء إلى سوریة عبر نظام الإخوان المسلمین فی ترکیا، لکنهم فشلوا مرّة أخرى فی الوصول إلى ما أرادوا، وفشل أردوغان الذی یتطلّع للجلوس على عرش الخلافة العثمانیّة الوثیر على رغم کل الأموال والوعود التی دفعها الغرب له ولمجرمیه وللمجموعات الإرهابیّة التی بلغ تعدادها المئات إن لم نقل الآلاف. وکذلک فشل آل سعود والأدوات الأخرى فی الخلیج… ولم یبقَ بیدهم إلاَّ الزج بآخر مبتکراتهم، فکان لهم «داعش»، فرع تنظیم القاعدة فی العراق والذی اختبروه جیّداً وتربّى فی أحضانهم… وعلى موائدهم إثر الاحتلال الأمیرکی للعراق، کما ترعرعت أم هذا التنظیم، القاعدة، على أیادی أبناء آل سعود وإدارة رونالد ریغان، فی حربهم على الشعب الأفغانی.

لقد فضح نائب الرئیس الأمیرکی جو بایدین، الذی ضاق ذرعاً بأدواته فی ترکیا والخلیج بالخدمات السیئة التی قدّمها هؤلاء لإدارته فی کل الدول العربیّة التی حط بها رحال الربیع المزعوم. وقال بایدن بلغة إنکلیزیّة أمیرکیّة لا خطأ فیها، إنّ سبب کل ما حدث کان الحقد الأسود من حکّام السعودیّة وترکیا وغیرهما تجاه شعب سوریة وقیادته المسؤولة والمدافعة عن کرامته وحقوقه. ولن نسأل هنا الإدارة الأمیرکیّة عن أسباب إعلانها المتأخر هذا، لکننا نقول إنّ قیام «داعش» و»الجیش الحر» و»جبهة النصرة» والتنظیمات الإرهابیّة الأخرى بقطع رقاب المئات، إن لم نقل الآلاف من السوریین، کان یستحق أیضاً اهتمام الولایات المتحدة والغرب إذا کانوا صادقین فی دفاعهم عن حقوق الإنسان ونوایاهم فی إبعاد خطر الإرهاب، وهم حتماً لیسوا کذلک. على هؤلاء جمیعاً أن یخجلوا من أنفسهم ومن الجرائم التی ارتکبوها أو شجعوا على ارتکابها فی سوریة والعراق ولبنان ولیبیا وتلک التی یرتکبها الإرهابیون ضد شعبنا وجیشنا فی مصر الشقیقة.

لقد تحطمتْ أدوات الغرب وسیوفه الخشبیّة على صخرة الصمود السوری الأسطوری، ولم یکن شعب سوریة مستعدّاً للتضحیة بأبنائه وماله وممتلکاته للوقوف خلف منطلقات قیادته لولا إیمان هذا الشعب بقیادته وجیشه. فهل کان لسوریة أن تصمد لو لم یکن جیش سوریة الباسل مستعدّاً لبذل أنهار الدماء رخیصة للدفاع عن الوطن، کل الوطن؟ وهل کان له أن یحقّق الإنجاز تلو الإنجاز، وأن یمنع تمریر المؤامرة على سوریة والمنطقة وقضایاها العادلة، وفی مقدّمها قضیّة فلسطین وتحریر الجولان، وما تبقّى من أراض محتلّة فی جنوب لبنان، لولا عمیق إیمانه بعقیدته القومیّة وإیمانه الوطنی بصحّة نهج سوریة؟

إذا کانتْ أوهام الغرب وعملائهم فی المنطقة قد تدمّرتْ أمام أعینهم، فلا ائتلاف بین أیدیهم ولا جیش حر ولا ألویة ولا کتائب ولا مرتزقة، فلماذا یتعامون عن الحقیقة المرّة التی کُتب علیهم تجرع کأسها المر؟ لقد تهاوتْ قواعدهم وأزلامهم کما تتهاوى الأحجار على رقعة الشطرنج، ولم یبقَ فی المیدان سوى «داعش» وشقیقته «جبهة النصرة» اللذین أدانهما مجلس الأمن فی قراریه 2170 و2178. لکن السخریة هی أنّنا نراهم، لیل نهار، یتحدّثون، وکأنّهم یتسلّون، عن خطر «داعش» وقوّة «داعش»، وتمدّد «داعش»، وسیطرته على أرض من العراق وسوریة. وإمکانیّة زحف «داعش» إلى کردستان العراق وإلى الأردن ولبنان والسعودیّة نفسها، ناهیک عن قیام بعض خلایا «داعش» النائمة فی کندا والولایات المتحدة وبریطانیا بعملیات إرهابیّة تهدّد الأمن فی هذه الدول وأرواح مواطنیها.

ها هی سوریة تضع مکافحة إرهاب «داعش» وشقیقات «داعش» أولویّة لها. وکانتْ هذه الأولویة، کما یعرف الجمیع، مطروحة منذ بدء الأحداث فی سوریة وخلال مؤتمر جنیف، فمن هو الذین عطّل تنفیذ هذه الأولویّة؟ ومع ذلک، فقد أبلغتْ سوریة کل من یهمّه الأمر أنّ مکافحة الإرهاب فی سوریة وخارجها هی الأولویّة الأولى، ناهیک عن أولویّتها الثانیة المتعلّقة بتحقیق المصالحات المحلیّة فی کافّة أنحاء سوریة لوقف الإرهاب وسفک الدماء. ولم تقف القیادة السوریّة عند ذلک فحسب، بل أنّها أکّدتْ أنّه لا بد من إیجاد إطار للحل السیاسی للأزمة فی سوریة یکلّل کل جهود مکافحة الإرهاب والانتصار علیه ویکلّل جهود التوصّل إلى مصالحات محلیّة فی کافّة أنحاء سوریة. هذا هو طریق حل الأزمة السوریّة.

إنّ المنطق یقول، وقرارات مجلس الأمن ضد «داعش» تقول إنّ مهمّة البشریّة الآن هی مکافحة خطر «داعش» الذی یمثّل أخطر ما تواجهه البشریّة من تحدیات. وسوریة تقف فی مقدّم من یتصدّى لخطر «داعش». والاستنتاج الطبیعی هو حتمیّة وقوف من یُحارب «داعش» إلى جانب سوریة فی حربها علیه. وهکذا أصبح من المنطقی أنّ على من یرید مکافحة «داعش» أن یقف مع سوریة، وأنّ من لا یقف مع سوریة فهو یقف مع «داعش»!

فقولوا لنا أین تقفون؟

المصدر: جریدة البناء

 

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: